مفاوضات سوريا وإسرائيل: غياب الثقة يهدد أي تسوية سياسية وأمنية
خاص – نبض الشام
تشهد المفاوضات بين سوريا وإسرائيل توتراً متزايداً وسط غياب الثقة وتباين المواقف بشأن القضايا الأمنية والسياسية. ورغم المحادثات الجارية، تتعقد المسارات بسبب ملف الجولان المحتل، ومطالب إسرائيل بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، فضلاً عن التصعيد العسكري الأخير في ريف دمشق. في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الطريق نحو أي تسوية سياسية أو أمنية لا يزال مليئاً بالتحديات والعقبات.
المفاوضات تحت ضغوط عسكرية وسياسية
تشير تقارير هيئة البث الإسرائيلية إلى أن المحادثات الجارية بين سوريا وإسرائيل تواجه انعداماً في الثقة وتباطؤاً في التقدم، خاصة بعد الأحداث الأخيرة في السويداء.
الجانب السوري، وفق تصريحات الرئيس أحمد الشرع، يشترط أن تُبنى أي اتفاقات على اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، بينما تطالب إسرائيل بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، وتؤكد عدم استعدادها للتخلي عن مواقع استراتيجية سيطرت عليها، أبرزها القمة 2814 في جبل الحرمون.
الاتفاقات الإبراهيمية بعيدة عن دمشق
خلال لقاء مع وفد عربي بدمشق في 24 أغسطس، استبعد أحمد الشرع إمكانية نسخ نموذج الاتفاقات الإبراهيمية في سوريا، موضحاً أن تلك الاتفاقات تمت بين دول لا تربطها خلافات مباشرة مع إسرائيل، بينما تختلف سوريا بسبب وجود الجولان المحتل.
وشدد الشرع على أن الأولوية هي العودة إلى اتفاق فض الاشتباك أو صيغة مشابهة، لضبط الوضع الأمني في الجنوب السوري تحت إشراف دولي.
باحث في مركز “جسور للدراسات” أوضح أن الشرع أعاد طرح ملف الجولان في هذا “التوقيت الحرج” للفت انتباه المجتمع الدولي إلى الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، مؤكداً أن سوريا لن تتنازل عن أراضيها مهما كانت الضغوط. ويرى الباحث أن سوريا، بخلاف الدول الموقعة على الاتفاقات الإبراهيمية، تواجه واقعاً جغرافياً وسياسياً حساساً، حيث تقوم إسرائيل بانتهاكات برية وجوية منذ سقوط النظام السابق.
موقف الشرع وخيارات سوريا الدبلوماسية
يسعى الشرع إلى تحييد الصراع عن الجغرافيا السورية قدر الإمكان، مفضلاً الطرق الدبلوماسية والتنسيق مع تركيا والدول العربية والحلفاء الأمريكيين والأوروبيين، في محاولة للتوصل إلى حلول شاملة لا تقتصر على تفاهمات أمنية مؤقتة.
ويعتقد الباحثون أن الظروف الحالية تجعل من الصعب إدراج سوريا في أي إطار مماثل لـ”الاتفاقات الإبراهيمية”، بسبب استمرار التوترات العسكرية وتعقيد الملفات الأمنية.
لقاءات باريس ورسائل انعدام الثقة
أكد المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، أن وفدي سوريا وإسرائيل اجتمعا في باريس لأكثر من ثلاث ساعات ونصف ثم عقدا اجتماعاً ثانياً، واصفاً الأجواء بـ”الإيجابية”.
لكن باراك أوضح أن الشرع لا يثق بالإسرائيليين، خصوصاً بعد أحداث غزة، رغم استعداده للتفاوض لتحقيق مصلحة بلاده. في المقابل، تعتبر إسرائيل أن حدود سايكس-بيكو لم تعد ذات معنى بعد 7 أكتوبر، وتتحرك بحرية لحماية مصالحها الأمنية.
من جانبه، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قال بعد لقائه مع غرفة عمليات الطائفة الدرزية في 28 أغسطس: “أنا لست ساذجاً، وأفهم تماماً أمام من نقف”، مؤكداً أن إسرائيل تسعى للوصول إلى “تسوية” رغم الخلافات العميقة.
خلافات أمريكية إسرائيلية حول مستقبل سوريا
يرى الباحث الإسرائيلي إفرايم عنبر، من مركز القدس للدراسات الاستراتيجية، أن سوريا أصبحت محور خلاف بين واشنطن وتل أبيب. فالولايات المتحدة، على غرار تركيا، تسعى إلى تحويل سوريا إلى دولة مركزية تحت رعايتها، بينما تختلف إسرائيل في رؤيتها، خصوصاً مع اهتمامها بدعم الأقليات مثل الدروز والأكراد.
وأضاف عنبر أن قدرة إسرائيل على هندسة المشهد السياسي في سوريا ولبنان محدودة، محذراً من أن الدولتين ستظلان تمثلان تحدياً أمنياً مستمراً لإسرائيل.
تصعيد عسكري لفرض وقائع ميدانية
في 27 أغسطس، نفذت إسرائيل إنزالاً جوياً بأربع مروحيات جنوب شرقي مدينة الكسوة في ريف دمشق، استمر أكثر من ساعتين، دون اشتباكات مباشرة مع قوات الدفاع السورية. وفي اليوم السابق، عثرت قوات الجيش السوري على أجهزة مراقبة وتنصت قرب جبل المانع، لكن الموقع تعرض لهجوم جوي إسرائيلي أدى إلى قتلى وإصابات وتدمير آليات.
وفي اليوم التالي، استهدفت إسرائيل مجدداً مواقع عسكرية في ريف دمشق بأكثر من عشر ضربات.
ومنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، اتبعت إسرائيل سياسة تصعيدية في الجنوب السوري، عبر التوغلات البرية والاستهدافات الجوية. وأكد الشرع حينها أنه لن يخوض صراعاً مسلحاً مع إسرائيل، معتبراً أن المعركة الحقيقية ليست عسكرية بل دبلوماسية.
مستقبل المفاوضات بين التعقيدات الإقليمية والدولية
يؤكد الباحثون أن المفاوضات السورية الإسرائيلية ستظل قائمة بحكم الواقع الجغرافي والانتهاكات المتكررة، لكنها تواجه عقبات داخلية وإقليمية. ويرى مركز “جسور للدراسات” أن أي تقدم يحتاج إلى توافقات استراتيجية تضمن ضبط العلاقات مع إسرائيل ضمن إطار حكومي رسمي، بعيداً عن أي تواصل مع جهات غير رسمية.
في المقابل، يعتبر تقرير لمركز “ألما” الإسرائيلي أن أي عملية دبلوماسية محكوم عليها بالفشل، لأن سوريا ترفض تلبية الشروط الإسرائيلية المتعلقة بالانسحاب من الجبهة الشمالية، معتبراً أن الوجود العسكري الإسرائيلي في تسع نقاط قرب خط فصل القوات لعام 1974 ضرورة أمنية طويلة الأمد وليست ورقة تفاوضية.
المشهد السوري الإسرائيلي يبدو مفتوحاً على كل الاحتمالات بين تصعيد عسكري مستمر وضغوط سياسية متزايدة. ورغم استمرار المفاوضات، فإن غياب الثقة وتعارض المصالح يعمّقان الفجوة بين الطرفين، بينما يبقى ملف الجولان والوجود العسكري في الجنوب أبرز العقد. وفي ظل الخلافات الدولية حول مستقبل سوريا، يبقى من المبكر توقع أي تسوية نهائية في الأفق القريب.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




